أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
130
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
فإذا داوم على ما ذكرنا من مفتتحات الكلمة الطيبة ومختتما من رعاية معناها حصل له من فوائدها ونتائجها ما لا يمكن تحريره بالبنان ولا تقريره باللسان : منها خلو الباطن من الميل إلى الدنيا الفانية ، وفراغ القلب من الثقة بها ، وتلك نعمة عظمى وشراب عليّ أسنى . ومنها التوكل على اللّه اعتمادا بضمان اللّه فيكون ساكنا عن الاضطراب عند تعذر الأسباب ثقة بمسبب الأسباب ؛ وهذه نعمة جليلة ومنّة جسيمة . ومنها إغناء القلب لسلامته من فتن الأسباب ، فلا يعترض على أحكام بلو ولا ولعل . ومنها حصول التقوى ، وهو الاجتناب عما ليس للّه تعالى . ومنها المحبة ، وهو أعظم المقامات وأهم المهمات . وطريق تحصيلها السلوك وكثرة الذكر مع الشروط والآداب دائما ، مستقبلا مع الحضور كما مرّ بيانه اثنا عشر ألفا كل يوم في ثلاثين ألفا ثم سبعين ألفا حتى تسقط الحركة اللسانية ويجري دون اختيار ، ثم يرجع إلى القلب ثم تنمحق الحروف ويبقى المعنى ، ثم يرتفع العدد ويصير حالة مستدامة ، وحينئذ تحدث محبة اللّه في قلب الذاكر فلا ينساه ثم يغيب عن جميع الأشياء ظاهرا وباطنا حتى عن النفس وصفاتها في المذكور ، وهو القرب ، ثم يغيب عن الذكر أيضا في شهود المذكور وهو الفناء ، ثم يحدث الصحو وهو البقاء ، ويشاهد لظهور النور والغفلة عن الشواغل ويصير من ملوك الدين ، والحمد للّه رب العالمين ا ه . وينبغي أيضا أن يكثر من الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم لما في ذلك من التقرب إليه صلى اللّه عليه وسلم والتحبب له فيراه مناما ، ويحصل له منه الإرشاد والهداية ، ويحصل بذلك تسهيل الطريق لأنه صلى اللّه عليه وسلم الواسطة بين الحق والخلق ، وهو باب اللّه الأعظم ومن أحب صيغ الصلاة عليه صلاة التشهد ، ويكفي أن يقال : اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . وذكر بعض المشايخ أن من قال كل يوم خمسمائة مرة : اللهم صلّ على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم قامت له مقام الشيخ الواصل في التسليك ا ه . واعلم أن ما تقدم في الآداب من طهارة المحل والوضوء والصلاة قبل الذكر ، وكذلك الأذكار التي قبله وبعده ليس شرطا في الذكر ، وإنما ذلك على وجه الكمال ، فلا ينبغي للشخص أن يترك الذكر توقفا على وجود ذلك ، بل متى توجهت همته للذكر وأقبل قلبه عليه فليذكر على أي وجه كان ، إما على صورة ما تقدم وهو الأكمل أو بدونه ، لكن لا بد من الاستحضار . واعلم أن الحاصل مما تقدم ، ترك جميع المنهيات ، وفعل الواجبات ، وما استطاع من المستحبات ، ومداومة الذكر مع استحضار معناه ، فهذا مبدأ الطريق .